حنظلة: الرمز الفلسطيني الذي رسمه ناجي العلي


منذ أكثر من خمسين عاماً، وهذا الصبي - حنظلة - يظهر على الجدران واللافتات وأغلفة الكتب والقلائد في أنحاء العالم. إنه أحد أكثر الرموز الفلسطينية حضوراً؛ يعرف اسمَه كلُّ من يحمله، وقليلون يعرفون حكايته.


من هو الفنان الذي رسم حنظلة؟

يعود رسمَ حنظلةَ إلى الفنانُ الفلسطيني ناجي العلي، الذي كان رسّام كاريكاتور معروفا ينشر في صحفٍ عربيةٍ عدة. وُلد العلي في قرية الشجرة بالجليل، وصار لاجئاً وهو طفلٌ عام ١٩٤٨. قضى جانباً من صباه في مخيّم عين الحلوة – في مدينة صيدا جنوبي لبنان - المجتمع نفسه الذي تعمل التعاون إلى جانبه اليوم.


قدّم رسم حنظلة للمرة الأولى في جريدة السياسة الكويتية في 5 حزيران 1969، وسرعان ما أصبح توقيعَه الخاص. اغتيل العلي في لندن عام ١٩٨٧، في جريمة لم يُكشف عن فاعلها. أمّا حنظلة فبقي بعده حاضراً، تماماً كما أراد له.





لماذا هو صبي في العاشرة من عمره؟

يُمثّل رسم حنظلة صبيّاً في العاشرة من عمره- وهي سنّ ناجي العلي حين غادرت عائلته فلسطين. قال العلي إنّ الصبيّ سيبقى في العاشرة حتى يعود إلى بلاده. فيتحوّل بذلك العمر إلى تاريخٌ محفوظٌ في رسم، وإلى عمر متوقف حتى إشعار آخر لأن خسارةً بعينها لم تُحَلّ بعد. 






ماذا يعني الاسم؟

الاسم مأخوذٌ من نبتة الحَنْظل، ذلك النبات الصحراوي المُرّ المذاق، العميق الجذور، العصيّ على الاقتلاع. ولم يكن الاختيار اعتباطاً: الحنظل مُرّ، لكنه عنيدٌ أيضاً، ابنُ الأرض، يكاد يستحيل انتزاعه منها. في كلمةٍ واحدة يجمع الاسم المرارةَ والتجذّر معاً - وهما ما أراد العلي للرمز أن يحمله.



لماذا يُدير ظهره؟

أكثرُ ما يلفت في حنظلة هو ما لا نراه: وجهه. قال ناجي العلي إنّ الصبيّ أدار ظهره احتجاجاً على واقعٍ بعينه، وإنّه لن يلتفت ليكشف عن وجهه إلّا حين يعود إلى فلسطين مُكرَّماً. وإلى أن يحين ذلك، يبقى يدير ظهره كصبي رافض الخنوع.

وهذا الرفض يقول الكثير. إنّه يرفض أن يُؤدّي دوراً، ويدعو من ينظر إليه أن يقف حيث يقف حنظلة، وأن ينظر إلى ما ينظر إليه هو، لا أن ينظر إليه هو نفسه. خيارٌ جريءٌ في هدوء، في ثقافةٍ بصريةٍ اعتادت أن تطلب من صاحب الصورة أن يواجه العدسة ويُقرأ.





رمزٌ تتوارثه الأجيال

ما يجعل حنظلة باقياً أنّه لم يكن يوماً مُلكاً لحركةٍ واحدة أو حزبٍ أو فترة زمنية محددة. فالجَدّ الذي رآه أوّل مرّة في صحيفةٍ من السبعينيات، والمراهق الذي يرسمه اليوم على حقيبته المدرسية، كلاهما يحمل الصورة ذاتها. صار حنظلة رمزاً وموقفاً، لا يحتاج إلى شرح.


وهكذا تبدو الاستمرارية الثقافية في الواقع: شكلٌ يبقى معروفاً بينما يتبدّل حاملوه. والهويّة، بهذا المعنى، لا تُصان بأن تُحفظ خلف زجاج، بل تبقى حيّةً لأنّ كلّ جيلٍ يختار أن يرفعها من جديد.





حنظلة ومعنى الاستمرار

بالنسبة إلى مجتمعات اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، ليست رموزٌ مثل حنظلة زينةً على الهامش. فحين تُنكَر الأرض ويُنكَر الوضع القانوني، تبقى الذاكرة الثقافية من أكثر ما يمكن توريثه بين الأجيال - محمولةً في رسمٍ، أو أغنيةٍ، أو حكايةٍ يرويها مُسنّ، أو كتابٍ على رفّ مكتبة.


في التعاون، نلتزم بحماية الأسس الثقافية والاجتماعية للحياة الكريمة إلى جانب أسسها العملية. فمن خلال التعليم الموسيقي، ومكتبات المخيّمات، وتناقل التراث اليومي بين الأجيال، يسير هذا العمل في الاتجاه نفسه الذي أشار إليه ناجي العلي: نحو مجتمعٍ يكتب هويّته بنفسه، ومستقبلٍ يبقى موصولاً بماضٍ طويلٍ ومحدَّد.


ما زال حنظلة يقف ويداه معقودتان خلف ظهره. وذات يوم، كما وعد العلي، سيكشف عن وجهه ويلتفت إلينا. 



المنشورات ذات الصلة

ثلاثون ثانية... وحلمٌ كبير: رحلة آدم مع العلاج والتأهيل

ثلاثون ثانية. بالنسبة إلى معظمنا، تمرّ ثلاثون ثانية دون أن نكاد نلاحظها. لكن بالنسبة إلى آدم وعائلته، تمثّل هذه الثواني الثلاثون إنجازًا كبيرًا، وبدايةً لحلم أكبر بكثيØ...

  • جهان المصري

  • ۲۹ أيلول ۲۰۲٦

العمل الميداني: بعدٌ آخر من العمل الإنساني

حين بدأت العمل التطوعي مع مؤسسة التعاون في كانون الثاني 2026، كنت أعلم أنني أريد أن أتعلّم. لكن ما لم أتوقعه هو مدى التغيير الذي ستحدثه ستة أشهر في فهمي لمجتمعات اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، وفي ارتباطي الشخصي بهÙ...

  • زاك فريج

  • ۲۷ آب ۲۰۲٦

شجرة الزيتون في فلسطين: التاريخ، الموسم، والدلالة

هي أكثر من مجرد شجرة، إنها رمز، ومصدر رزق، وشاهد حيّ على التاريØ...

  • التعاون

  • ۱٥ نيسان ۲۰۲٦

مفتاح العودة الفلسطيني

هل يمكن لشيء ببساطة مفتاح أن يتحول الى رمز انتماء على مستوى شعب ووطن...

  • التعاون

  • ۲۰ تشرين الثاني ۲۰۲٥